ابن عربي
35
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 67 ] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 67 ) - الوجه الأول - لما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المنزل عليه القرآن مأمورا بتبليغه إلى المكلفين وتبيينه للناس ما نزل إليهم ، ومن الأشياء ما هي مشهودة لهم وغائبة عنهم ، ولم يؤمر أن يحرف الكلم عن مواضعه بل يحكي عن اللّه كما حكى اللّه له قول القائلين ، وقولهم يتضمن الغيبة والحضور ، فما زاد على ما قالوه في حكايته عنهم وقيل له صلّى اللّه عليه وسلم : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ » [ كيفية تبليغ الرسول صلّى اللّه عليه وسلم للقرآن الكريم ] فلم يعدل عن صورة ما أنزل إليه فقال ما قيل له ، فإنه ما نزلت المعاني على قلبه من غير تركيب هذه الحروف وترتيب هذه الكلمات ونظم هذه الآيات وإنشاء هذه السور المسمى هذا كله قرآنا ، فلما أقام اللّه نشأة القرآن صورة في نفسها ، أظهرها صلّى اللّه عليه وسلم كما شاهدها ، فأبصرتها الأبصار في المصاحف ، وسمعتها الآذان من التالين ، وليس غير كلام اللّه هذا المسموع والمبصر ، وألحق الذم بمن حرّفه بعد ما عقله وهو يعلم أنه كلام اللّه ، فأبقى صورته كما أنزلت عليه ، فلو بدل من ذلك شيئا وغير النشأة لبلغ إلينا صورة فهم لا صورة ما أنزل عليه ، فإنه لكل عين من الناس المنزل إليهم هذا القرآن نظر فيه ، فلو نقله إلينا على معنى ما فهم ، لما كان قرآنا أعني القرآن الذي أنزل عليه ، فإن فرضنا أنه قد علم جميع معانيه بحيث أنه لم يشذ عنه شيء من معانيه قلنا : فإن علم ذلك وهذه الكلمات تدل على جميع تلك المعاني فلأي شيء يعدل ؟ وإن عدل إلى كلمات تساويها في جميع تلك المعاني فلا بد لتلك الكلمات التي يعدل إليها من حيث ما هي أعيان وجودية ، أعيان غير هذه الأعيان التي عدل عنها التي أنزلت عليه ، فلا بد أن تخالفها بما تعطيه من الزيادة من حيث أعيانها على ما جمعته من المعاني التي جمعتها الكلمات المنزلة ، فيزيد للناظر في القرآن معاني أعيان تلك الكلمات المعدول إليها ، كما أيضا ينقص مما أنزل اللّه أعيان تلك الكلمات التي عدل عنها ، فكأن الرسول قد نقص في تبليغ ما أنزل إليه أعيان تلك الكلمات وحاشاه من ذلك ، فلم يكن ينبغي له إلا أن يبلغ إلى الناس ما نزل إليهم صورة مكملة من حيث الظاهر حروفها اللفظية والرقمية ، ومن حيث الباطن معانيها ، فالرسول مبلغ ما قيل له قل ، ولو كان مبلغا ما عنده ، أو ما يجده من العلم في نفسه ، لم يكن رسولا ، ولكان